ابن عساكر
205
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
من الخلفاء . قال : فأيها أطيب ؟ قال : ما عمله الواثق . قال : أحضرنيه فأحضره حبا عظيما يحمله عدة ، ففتح فإذا بغالية قد ابيضّت من التعشيب وجمدت من العتق في نهاية الذّكاء ، فأعجبت المعتضد وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب « 1 » ، فأخذ من لطاخته شيئا يسيرا من غير أن يشعث رأس الحب « 2 » ، وجعله في لحيته وقال : ما تسمح نفسي بتطريق التشعيب على هذا الحب ، شيلوه ، فرفع ، ومضت الأيام فجلس المكتفي [ للشرب ] « 3 » يوما ، وهو خليفة ، وأنا قائم على رأسه فطلب غالية فاستدعى الخادم وسأله عن الغوالي ، فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه ، فاستدعى غالية الواثق ، فجاءه بالحب بعينه ففتح فاستطابه ، وقال : أخرجوا منه قليلا ، فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالا ، فاستعمل منه في الحال ما أراد ، ودعا بعتيدة « 4 » له فجعل الباقي فيها ليستعمله على الطعام « 5 » ، وأمر بالحب فختم بحضرته ورفع . ومضت الأيام وولي المقتدر الخلافة ، وجلس مع الجواري يوما وكنت على رأسه ، فأراد أن يتطيّب فدعا الخادم وسأله ، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه ، فقال : هات الغوالي كلها ، فأحضر الحباب « 6 » كلها ، فجعل يخرج من كل حب مائة مثقال وأقل وأكثر ، فيشمّه ويفرقه على من بحضرته ، حتى انتهى إلى حب الواثق فاستطابه فقال : هاتم عتيدة حتى يخرج منه إليها ما يستعمل ، فجاءوه بعتيدة فكانت عتيدة المكتفي بعينها . ورأى الحب ناقصا والعتيدة فيها قدح الغالية ما استعمل منه كثير شيء فقال : ما السبب في هذا ؟ فأخبرته بالسبب « 7 » على حاله ، فأخذ يعجب من بخل الرجلين ، ويضع منهما بذلك ، ثم قال : فرقوا الحب بأسره على الجواري ، فما زال يخرج منه أرطالا أرطالا وأنا أتمزق غيظا ، وأذكر حديث العنب وكلام مولاي المعتضد إلى أن مضى قريب من نصف الحب ، فقلت له : يا مولاي ، إن هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها وما لا يعتاض منه ، فلو تركت ما بقي منها لنفسك ، وفرقت من غيرها كان أولى . قال : - وخرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد - فاستحيا مني ،
--> ( 1 ) في مختصر ابن منظور : « الجب » والمثبت عن تاريخ بغداد ، وقد صوبناها في كل المواضع من الخبر . ( 2 ) في مختصر ابن منظور : « يشعب رأس الجب » والمثبت عن تاريخ بغداد . ( 3 ) زيادة عن تاريخ بغداد . ( 4 ) العتيدة : الطبلة أو الحقّة يكون فيها طيب الرجل والعروس ( القاموس ) . ( 5 ) كذا في مختصر ابن منظور ، وفي تاريخ بغداد : الأيام . ( 6 ) في مختصر ابن منظور : الجباب . ( 7 ) في تاريخ بغداد : فأخبرته بالخبر على شرحه .